سيد قطب

664

في ظلال القرآن

يقول امرؤ القيس : وأصبحت ودعت الصبا غير أنني * أراقب خلّات من العيش أربعا فمنهن قولي للندامى : ترفقوا * يداجون نشاجا من الخمر مترعا ومنهن ركض الخيل ترجم بالقنا * يبادرن سربا آمنا أن يفزّعا . . . إلخ ويقول طرفة بن العبد : فلولا ثلاث هن من عيشة الفتى * وجدك لم أحفل متى قام عوّدي فمنهن سبقي العاذلات بشربة * كميت متى ما تعل بالماء تزبد وما زال تشرابي الخمور ولذتي * وبذلي وإنفاقي طريفي وتالدي إلى أن تحامتني العشيرة كلها * وأفردت إفراد البعير المعبد ويقول الأعشى : فقد أشرب الراح قد تعلمين * يوم المقام ويوم الظعن وأشرب بالريف حتى يقال * قد طال بالريف ما قد دجن ويقول المنخل اليشكري : ولقد شربت من المدا * مة بالصغير وبالكبير فإذا سكرت فإنني * رب الخورنق والسدير « 1 » وإذا صحوت فإنني * رب الشويهة والبعير وغير هذا كثير في الشعر الجاهلي . . . ورواية الحوادث التي صاحبت مراحل تحريم الخمر في المجتمع المسلم ، والرجال الذين كانوا أبطال هذه الحوادث . . وفيهم عمر ، وعلي ، وحمزة ، وعبد الرحمن بن عوف . . وأمثال هذا الطراز من الرجال . . تشي بمدى تغلغل هذه الظاهرة في الجاهلية العربية . وتكفي عن الوصف المطول المفصل : يقول عمر رضي اللّه عنه في قصة إسلامه . . في رواية . . « كنت صاحب خمر في الجاهلية . فقلت لو أذهب إلى فلان الخمار فأشرب . . . » وظل عمر يشرب الخمر في الإسلام . حتى إذا نزلت آية : « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ . قُلْ : فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ، وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما » . . قال : « اللهم بيّن لنا بيانا شافيا في الخمر » . . واستمر . . حتى إذا نزلت هذه الآية : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ » . . قال : اللهم بيّن لنا بيانا شافيا في الخمر ! حتى إذا نزلت آية التحريم الصريحة : « إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ، وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ » . . قال : انتهينا انتهينا ! وانتهى . . وفي سبب نزول هذه الآية : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى » ترد روايتان يشترك

--> ( 1 ) قصران للنعمان بن المنذر كانت تتحدث بهما العرب في الجاهلية .